،الاقتصاد الدائري ليس مجرد مفهوم، بل هو حركة تُعيد تشكيل طريقة عمل الصناعات
تخيّل صناعات يتم فيها تحويل النفايات إلى موارد، ويُحقق النمو دون المساس بالبيئة. هذا هو جوهر الاقتصاد الدائري، ومصر تخطو خطوات مهمة في سبعة قطاعات رئيسية لتحقيق هذه الرؤية.
من الزراعة إلى الإلكترونيات، تُحدث ممارسات الاقتصاد الدائري تحولًا جذريًا في الصناعات، مما يعزز النمو المستدام ويُرسي نموذجًا مستقبليًا يُحتذى به.
1. الزراعة: غرس مبادئ الاستدامة

الزراعة العضوية: يعتمد المزارعون على أساليب الزراعة العضوية مثل الأسمدة الطبيعية، وتناوب المحاصيل، وتعزيز التنوع البيولوجي لمكافحة تدهور التربة وملوحتها. تساهم هذه الممارسات في تحسين خصوبة التربة، وتقليل المدخلات الصناعية، ودعم الزراعة المستدامة.
إدارة المياه: تُسهم تقنيات مثل الري بالتنقيط وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة في تحسين استخدام المياه، والحفاظ على الموارد، وتعزيز الزراعة المستدامة في بيئات تعاني من ندرة المياه.
ابتكارات في الأسمدة من النفايات: يتم تحويل النفايات الزراعية إلى أسمدة عضوية ووقود حيوي، مما يقلل من النفايات، ويحسن صحة التربة، ويوفر دخلاً إضافيًا للمزارعين.
2. المنسوجات: تقليل النفايات وإعادة استخدام المواد

مبادرات إعادة التدوير: يعمل قطاع المنسوجات في مصر على تقليل النفايات من خلال تحويل الملابس القديمة وقصاصات القماش إلى منتجات جديدة مثل الحقائب والسجاد والملابس، مما يعزز الاستدامة ويقلل من تأثيره البيئي.
المواد المستدامة: تتجه الشركات نحو استخدام مواد صديقة للبيئة مثل القطن العضوي، والخيزران، والألياف المعاد تدويرها، مما يقلل الاعتماد على الموارد غير المتجددة ويشجع الإنتاج المسؤول.
الصباغة الصديقة للبيئة: للحد من التلوث، يستخدم المصنعون أصباغ طبيعية وعمليات موفرة للمياه، مما يقلل من النفايات الكيميائية ويجعل عملية الصباغة أكثر استدامة.
3. البناء: البناء بطريقة مسؤولة

المواد المُعاد تدويرها: يعتمد قطاع البناء في مصر على استخدام مواد مُعاد تدويرها مثل الخشب المستصلح، والمعادن، والخرسانة المطحونة، مما يقلل من الطلب على المواد الخام، ويخفض التكاليف، ويقلل من التأثير البيئي.
البناء الأخضر: أصبحت الشهادات الخضراء، مثل شهادة LEED (الريادة في تصميمات الطاقة والبيئة)، أكثر شيوعًا في مصر. تشجع هذه الشهادات على بناء منشآت موفرة للطاقة باستخدام مواد مستدامة، بما في ذلك مصادر الطاقة المتجددة، مع التركيز على تقليل النفايات. تساهم المباني الحاصلة على هذه الشهادات في تقليل التأثير البيئي وتقديم فوائد اقتصادية طويلة الأجل.
البناء المعياري: يكتسب البناء المعياري، الذي يتضمن تصنيع مكونات المباني خارج الموقع وتجميعها في الموقع، شهرة متزايدة. يقلل هذا الأسلوب من نفايات البناء، ويختصر مدة المشاريع، ويحسن التحكم في الجودة. من خلال تبني البناء المعياري، يعزز القطاع الاستدامة والكفاءة في تنفيذ المشاريع العمرانية.
4. الطاقة المتجددة: تسخير قوة الطبيعة

اعتماد الطاقة الشمسية: تستفيد مصر من وفرة أشعة الشمس من خلال الاستثمار في مشاريع الطاقة الشمسية. أصبحت المزارع الشمسية الكبيرة وتركيبات الألواح الشمسية على الأسطح مشهدًا شائعًا، حيث توفر طاقة نظيفة وتقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري. يُعد مشروع حديقة بنبان الشمسية دليلًا على التزام البلاد بالطاقة المتجددة.
مشاريع طاقة الرياح: تُحقق مصر تقدمًا كبيرًا في مجال طاقة الرياح، حيث توفر مناطق مثل خليج السويس ظروفًا مثالية لإقامة مزارع الرياح. تُساهم هذه المشاريع في تعزيز قدرة مصر على إنتاج الطاقة المتجددة، مما يساهم في تنويع مزيج الطاقة الوطني وتعزيز الاستدامة.
مبادرات كفاءة الطاقة: يُعد تحسين كفاءة استخدام الطاقة أمرًا حيويًا لتقليل الاستهلاك والانبعاثات. يشهد القطاع الصناعي والمنازل في مصر تبنيًا متزايدًا لتقنيات وممارسات كفاءة الطاقة، مثل إضاءة LED، وأنظمة التكييف والتهوية عالية الكفاءة، والعدادات الذكية، بهدف خفض استهلاك الطاقة وتقليل التكاليف.
5. إدارة النفايات: تحويل المخلفات إلى ثروات

برامج إعادة التدوير: تعمل مصر على تعزيز إدارة النفايات من خلال مبادرات مثل البرنامج الوطني لإدارة المخلفات الصلبة (NSWMP)، لتحسين عمليات الجمع والفرز والمعالجة. ينص قانون إدارة النفايات لعام 2020 على تنظيم إعادة التدوير ويُعاقب على عدم الامتثال، بينما تقدم برامج مثل “إي تدوير” حوافز لإعادة تدوير النفايات الإلكترونية. تسهم هذه الجهود في تقليل استخدام المكبات، والحفاظ على الموارد، وخلق فرص عمل، وتعزيز إدارة النفايات المستدامة.
تحويل النفايات إلى طاقة: تتبنى مصر تقنيات تحويل النفايات إلى طاقة لمواجهة تحديات إدارة النفايات وتعزيز الطاقة المتجددة. تُعد مشاريع مثل منشأة أبو رواش لإنتاج الغاز الحيوي مثالًا على تحويل النفايات العضوية إلى وقود حيوي، بينما تولد محطات حرق النفايات الكهرباء من المخلفات البلدية والزراعية. تقلل هذه المبادرات الاعتماد على المكبات، وتخفف الأضرار البيئية، وتدعم تنويع مصادر الطاقة بما يتماشى مع أهداف الاستدامة الوطنية.
6. الإلكترونيات: مواجهة تحديات النفايات الإلكترونية

تحديات النفايات الإلكترونية في مصر:
مع تعداد سكاني يتجاوز 105 ملايين نسمة، تُنتج مصر حوالي 88 ألف طن من النفايات الإلكترونية سنويًا، بمعدل نمو يتراوح بين 5-7% نتيجة زيادة استهلاك الإلكترونيات. حوالي 15% من هذه النفايات يتم استيرادها، بعضها عبر قنوات غير رسمية أو غير قانونية، مما يعقد جهود الإدارة. حاليًا، يوجد أقل من 10 منشآت إعادة تدوير رسمية، تُعالج 15% فقط من إجمالي النفايات الإلكترونية، بينما يتم التعامل مع 85% منها بطرق غير رسمية من قِبل حوالي 100 ألف عامل في ظروف خطرة.
هذا التعامل غير الرسمي يتسبب في أضرار بيئية كبيرة، حيث يتسبب في تلويث التربة والمياه بنحو 30 ألف طن من النفايات الإلكترونية سنويًا. لذلك، تُعد اللوائح المعززة والحوافز الاستثمارية أمرًا بالغ الأهمية لمعالجة هذه التحديات وتعزيز ممارسات إعادة التدوير المستدامة.
التطورات في إعادة تدوير النفايات الإلكترونية:
تشهد مصر تقدمًا في مجال إعادة تدوير النفايات الإلكترونية من خلال مبادرات مثل “Recyclobekia” و”E-Tadweer”.
Recyclobekia تُعيد تدوير جزء كبير من النفايات الإلكترونية، مستخرجة معادن ثمينة مثل النحاس والفضة والذهب، مما يُساهم في تقليل التلوث.
E-Tadweer, بدعم من وزارة البيئة، تشجع المواطنين على مبادلة النفايات الإلكترونية بخصومات عبر تطبيق، مما يعزز سلاسل إعادة التدوير الرسمية.
بالإضافة إلى ذلك، يُعد أول مصنع لإدارة النفايات الإلكترونية في القاهرة، بالتعاون مع وزارة البيئة وشركاء من القطاع الخاص، منشأة تعالج أكثر من 5,000 طن سنويًا.
تُساهم هذه الجهود في بناء بنية تحتية مستدامة لإدارة النفايات الإلكترونية، مما يقلل من الأضرار البيئية ويُعزز الحفاظ على الموارد.
القطاع غير الرسمي: أبطال الاستدامة المجهولون

إعادة استخدام المنتجات وتجديدها: تلعب الأسواق غير الرسمية في مصر دورًا رئيسيًا في إطالة دورة حياة الأجهزة الإلكترونية من خلال تجديدها وإعادة استخدامها، مما يقلل من النفايات الإلكترونية. ومع ذلك، فإن غياب معايير الصحة والسلامة والبيئة يبرز الحاجة إلى منشآت رسمية لضمان ممارسات آمنة وإدارة مستدامة للنفايات الإلكترونية.
جامعو النفايات غير الرسميين: يُعرفون بـ”الزبالين”، وهؤلاء العمال يشكلون عنصرًا أساسيًا في إدارة النفايات في مصر، حيث يقومون بفرز وإعادة تدوير كميات كبيرة من النفايات يدويًا. يمكن أن يؤدي دمج ممارساتهم في أنظمة رسمية إلى تعزيز الكفاءة والاستدامة.
عن مبادرة “دايرة واحدة” في مصر:
تمثل مبادرة “دايرة واحدة“، التي أطلقتها منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) بالتعاون مع شركة أورانج، جزءًا من برنامج “التحول نحو الاقتصاد الدائري”. تهدف المبادرة إلى إحداث تحول شامل في سلسلة القيمة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والإلكترونيات في مصر، من خلال بناء تحالف واسع يضم الشركاء المحليين من الشركات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب الشركات متعددة الجنسيات، بهدف تطوير نموذج تنموي أكثر مسؤولية لصالح المجتمع ككل. بقيادة أورانج ونوكيا وكوردون، تركز المبادرة على دعم تبني ممارسات الاقتصاد الدائري، وتعزيز البنية التحتية المحلية لإطالة دورة حياة منتجات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والإلكترونيات، وإتاحة فرص لبناء القدرات المحلية لتحقيق تغيير مستدام.
عن مشروع “التحول نحو الاقتصاد الدائري” (لسلاسل القيمة):
يعد برنامج “التحول نحو الاقتصاد الدائري” (لسلاسل القيمة) مبادرة تهدف إلى دعم الشركات متعددة الجنسيات في الاتحاد الأوروبي ومورديها من الدول النامية للتحول نحو ممارسات ونهج أكثر دائرية في ثلاثة سلاسل قيمة مختارة: التغليف البلاستيكي، النسيج والملابس، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والإلكترونيات. يسعى المشروع إلى تعزيز “التحول نحو الاقتصاد الدائري”، مع المساهمة في تحقيق نمو مستدام، وتنمية منخفضة الكربون ومرنة تجاه تغير المناخ، وخلق فرص عمل لائقة، وتحقيق بيئة أكثر أمانًا وصحة وخالية من التلوث.
المبادرة ممولة بشكل مشترك من الاتحاد الأوروبي وحكومة فنلندا، ويتم تنفيذها من قبل منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) بالتعاون مع شاتام هاوس (Chatham House)، وCircle Economy، والبنك الأوروبي للاستثمار. للمزيد www.switchtocircular.eu
الخاتمة
عبر الزراعة، والمنسوجات، والبناء، والطاقة، وإدارة النفايات، والإلكترونيات، والقطاع غير الرسمي، تعمل مصر على إدماج مبادئ الاقتصاد الدائري في نسيج صناعاتها. لا تعالج هذه الأساليب المبتكرة التحديات البيئية الملحة فحسب، بل تفتح أيضًا آفاقًا جديدة للنمو الاقتصادي ورفاهية المجتمع. من خلال مواصلة الجهود والتعاون، تُمهّد مصر الطريق نحو مستقبل مستدام ومزدهر.
المصادر:
منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) – إدارة المياه في مصر: http://www.fao.org/egypt/resources/en/
ريسيكلوبيكيا: https://recyclobekia.com/
المجلس المصري للمباني الخضراء https://www.egypt-gbc.org/